ابن ميثم البحراني

440

شرح نهج البلاغة

أقول : الهيمنة : صوت خفيّ يسمع ولا يفهم . وحاصل الفصل : التنبيه على فضيلته لغاية قبول قوله فيما يأمرهم به . فذكر منها : أنّه لم يردّ على اللَّه وعلى رسوله في وقت قطَّ فيما صدر من الأمر عنهما ، واستشهد على ذلك بما علمه منه المستحفظون من الصحابة وهم العلماء وأهل الدين الَّذين استحفظوا كتاب اللَّه ودينه : أي جعلوا حفظة له وأودعوا إيّاه ، وقال بعض الشارحين : وفيه ايماء إلى ما كان يفعله بعض الصحابة من التسرّع بالقول والاعتراض على الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم في مواضع كما نقل عن عمر يوم الحديبيّة عند سطر كتاب الصلح أنّه أنكر ذلك وقال لرسول اللَّه : ألسنا على الحقّ قال : بلى . قال : أو ليسوا الكاذبين . قال : بلى . قال : فكيف تعطى الريبة في ديننا . فقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : أنا أعمل بما أومر به . فقام عمر فقال لقوم من الصحابة : ألم يكن قد وعدنا اللَّه بدخول مكَّة وها نحن قد صددنا عنها ثمّ ننصرف بعد أن أعطينا الريبة في ديننا واللَّه لو وجدت أعوانا لم اعط الريبة أبدا . فقال له أبو بكر : ويحك الزم غزوه فواللَّه إنّه لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم وأنّ اللَّه لا يضيّعه . ثمّ قال له : أقال لك : إنّه سيدخل مكَّة هذا العام . فقال : لا . قال : فسيدخلها . فلمّا فتح النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم مكَّة وأخذ مفاتيح الكعبة دعاه . فقال : هذا الَّذي وعدتم به . ومنها : مواساته لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم بنفسه وهو ممّا اختصّ به عليه السّلام ، وذلك في مواطن : فثبت معه يوم أحد وفرّ الناس . روى المحدّثون أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم لمّا أرتثّ يوم أحد ، ونادى الناس قتل محمّد رأته كتيبة من المشركين وهو صريع بين القتلى إلَّا أنّه حيّ فصمدت له . فقال لعليّ : أكفني هذه . فحمل عليها فهزمها وقتل رئيسها : ثمّ صمدت له أخرى . فقال يا علي : أكفني هذه فحمل عليها وقتل رئيسها . ثمّ صمدت له ثالثة فكذلك . فكان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يقول : قال لي جبرئيل حينئذ : يا محمّد هذه المواساة . فقلت : وما يمنعه وهو منّى وأنا منه . فقال جبرئيل : وأنا منكما ، وروى المحدّثون أيضا أنّ المسلمين سمعوا ذلك اليوم هاتفا من قبل السماء ينادى : لا سيف إلَّا ذو الفقار ولا فتى إلَّا عليّ . فقال الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : ألا تسمعون هذا